إشهار

دخول المستخدم

Powered by Drupal

حول ما قيل أن " الحسانية غير اشتقاقية من العربية " / الدكتور محمدو ولد احظانا

ثلاثاء, 2018-01-30 22:42

أعجبتني محاضرتا الباحثين الأستاذ إسماعيل محمد يحظيه و د. يحي البراء وتدخلات الرئيس والمشاركين، والإدارة الموفقة للجلسة من طرف أستاذنا المتمكن د. محمد الأمين الناتي،

لكنني لم أستوعب فكرة أن الحسانية غير اشتقاقية، أو غير مشتقة من العربية، وبالتالي تختلف أصلا عن اللغة العربية، إي أن الحسانية مشجرة، حسب رأي أستاذنا الجليل د. يحي البراء، ولو كنت حاضرا لاستشكلت ملاحظته حتى يتبين لي الأمر أكثر، لأن استنتاجه يحتاج إلى توضيح أكثر، على الأقل بالنسبة لي، وفي حدود فهمي القاصر، دون شك.

 

           1

لتبيين أستشكالي في الناحية الصرفية والمعجمية سأوضح بعض المسائل التي أثارها في ذهني حكم أستاذنا البراء، من بينها على سبيل المثال:

 

1-أنني أتصور أن الاشتقاق: أكبر وأصغر، حال يطرأ على مجموعة أصوات، يعبر عنها بتقطيع فيزيائي للهواء، وتلاعب بمجموعة الأعضاء المشكلة لجهاز النطق، على محور حركة الهواء، حبسا وإطلاقا، وتوجيها، وضبطا،  وجهرا، وهمسا، وتمويجا، وترديدا.. إلى آخره، مما هو معروف... و تعتبر بعض هذه الوحدات معجميا مادة مشكلة من أصوات قاعدية هي الأحرف،  وأصوات تحليلية ضمن حيز الصوت القاعدي،  وهي الحركات والسكون، على نفس الحرف، ومن هذه كذلك أصوات تحليلية مفردة (فتحة، ضمة، وكسر، إضافة إلى السكون)، ومنها أصوات تحليلية مكررة: (فتحتان ضمتان، وكسرتان، تتفشى في تنوين)، يستثنى السكون، لاتصافه بالانحباس على وجه واحد.

هذا إضافة إلى المدات والشدة (التضعيف)، فالمد تكرار مفتوح، إذ أن آ=أ+أ فأكثر. أما الشد فهو حسب الترتيب، سكون فحركة، وكأنه مد مقلوب، إذا جاز التعبير. 

يتولد من تفاعل الأصوات القاعدية والأصوات التحليلية ما يدعى: ألفاظا من باب إخراجها شفهيا، وكلمات محسوسة، باعتبارها حزمة أحرف مرتبة ترتيبا ما، يدل دلالة كفاية على متصور ما. 

 هذه الكلمات نظر إليها اللغويون العرب (باعتبار أن الحديث عن اللغة العربية) 

إما كمادة، قابلة للمعاملة التصريفية (مشتقة)، وإما كلمة غير قابلة للمعاملة الصرفية (جامدة) تقبل المزج واللصق وبالتالي التشجير..

 

2-تصرف المادة إلى أوضاع يعبر كل منها عن دال ذي مدلول متميز قليلا أوكثيرا عن غيره من الدوال ومدلولاتها.

واللغة العربية حسب العملية الإحصائية للخليل بن أحمد الفراهيدي: منها الممكن المستعمل، ومنها الممكن المهمل. ولذا أهمل في كتاب العين عشرات الآلاف من الأبنية الممكنة التي لم يستعملها الناطقون بالعربية. وبذا فليس كل تركيب ممكن للأصوات القاعدية والتحليلية في العربية من كلام العرب.

إن مفهوم المادة مصطلح دقيق إن أخذنا المادة (اسم الفاعل) بمعنى الامتداد الممكن للكلمات المستعملة في العربية على نحو اشتقاقي إشعاعي، أو عمودي. فالمادة قابلة للتصرف حسب قصد القائل في إسقاط الحال المتصور في ذهنه على موصوف يراه كذلك، على الحقيقة، أو توهما منه (يتصوره في حالة وجود خارج الزمن: مصدرا، كما عند البصريين مثلا) أوفى الزمن اللغوي (فعلا، عند المدرستين البصرية والكوفية).. إلى آخر الأوضاع المستعملة لنفس المادة.

إن الاشتقاق إذن حالة قابلية يتصف بها صنف من الكلام، يتدرج من فعل: (أعرق) من لفظ العراق، و(أنجد) من لفظ نجد، وتوابعهما من بعض أسماء الأماكن، صعودا في الاشتقاق إلى (فعل) بكل تنويعها في الأصوات التحليلية المركبة على الأصوات القاعدية للحروف، و فصيلة المشتقات الأخرى الزائدة على (فعل)، 

فهل الحسانية غير متصفة بهذه الصفات على الأقل في المواد ذات الأصل العربي الفصيح، على كثرتها في معجم الحسانية، أقصد المادة اللغوية بمعنى الكلمة في حالتي الامتداد العمودي في الاشتقاق الأصغر، والإشعاعي في الاشتقاق الأكبر ، ولا أعني هنا أواخر الكلم التي تخص النحو الحساني. 

 

3-لو نظرنا مثلا في مادة (عرف بفتح فسكون، فضمة دالة على ضمير الغائب المفرد المذكر، وهوضمير المفعول:

ه) مع استتار ضمير الفاعل ضمن الفعل، كما في العربية. والفعل هنا فعل ماض في الحسانية. و ( يعرف)، في المضارع بفتح فكسر فسكون فضَم دال على نفس الضمير أعلاه ). و'عارف' (اسم فاعل) و'معروف' (اسم مفعول) ، و 'معرفه' بكسر الميم والعين، فسكون الراء و فتح الفاء (مصدر).

وهي كلها ألفاظ حسانية متداولة، فهل يمكننا من خلال هذه الاوضاع أن نلمس آلية تشجير، أم آلية تصريف واشتقاق؟

 

4-إن الاختلاف الطفيف هنا إذن، كان في أوضاع الأصوات التحليلية الطارئة على مصدر الاشتقاق، وما يترتب عليها من متطلبات النطق، لا في الأصوات القاعدية:الأحرف، ولا يشتمل على تغيير مخل بالمادة. ومادام التغير مقتصرا في أساسه على ذلك، وهو الذي طرأ على الأصل العربي للمنطوق الحساني، فالتغيير لايمس من صفاء العلاقة الاشتقاقية، على حالتها العمودية بامتياز.

 

5- في بعض الدراسات المتواضعة التي قمت بها لاحظت أن الحسانية نشطة في الاشتقاق حتى بالنسبة للألفاظ الدخيلة على الحسانية، وذات المأتي اللغوي غير الاشتقاقي أصلا، ونأخذ من ذلك مثالا حديثا و هو كلمة (فرص) الفرنسية المنشأ، فقد جعلتها الحسانية مشتقة تماما: (فرص، بالفتح للفعل الماضي، وايفرص بالكسر للمضارع، و فرص، بفتح وسكون وكسر للأمر، وامفرص لاسم الفاعل، ومفرص لاسم المفعول.. وافريص للتصغير .. )

 

6-بالنسبة للكلمات الصنهاجية، ولست على دراية كافية بدلالتها، فإن الحسانية تداخلت معها صرفيا في بعض الأحيان، فصيغت بعض الكلمات الحسانية ذات الأصل العربي حسب صيغ صنهاجية مثل: تاسفرة ، وتيدومه، للسفرة اوالسفرية، والدومة .

لكن الحسانية صرفت بعض الكلمات الصنهاجية فجعلتها مشتقة على صيغة أوزان الحسانية، مثل (امأنك) التي تعني الذلول أو السائغ، وهي في الأصل وصف للإبل ومنها (إيبل أمينگ)،

فصرفتها. الحسانية هكذا في الافتعال، مثلا: (اتمونك هو، للماضي، و يتمونك هو، للمضارع، و اتمونك أنت، للأمر، و متمونك لاسم الفاعل.. إلى آخره) . . فالأصوات التحليلية توزعت على الأصوات القاعدية حتى ميزت الأوضاع  المختلفة للمواد زمانا وحالا، عن الجذر الأصلي، بنفس الطريقة التي تتم في العربية بشكل عمودي في هذا المثال. أي أن العلاقة بين المشتق وأصله الاشتقاقي جرت على نحو معين، يختلف على مايبدو عن آلية التشجير واللصق.

هذا هو ما جعلني أستشكل استنتاج أستاذنا الجليل، وباحثنا المتمكن بخصوص عدم اشتقاقية الحسانية. وبالتالي استنتاج اختلافها جوهريا عن اللغة العربية، وهو ما لا أراه على محدودية رؤيتي، وتمكن صاحب الرأي الآخر من ناصية اللغات والألسنيات الحديثة، وجودة ما طرح من أفكار ومعلومات استوعبها وأتفق معه فيها تماما، لكن هذا ما قادني إليه بعض البحوث التي قمت بها على الحسانية وعلاقاتها المختلفة بالعربية وبعض اللغات المجاورة.

وأريد أن أنبه إلى أمر لاحظته أثناء استخدام المعجم في بعض الكتابة الروائية التي اتجرأ عليها بين الفينة والأخرى، وهي أنني ألجأ إلى معجم الحسانية، فأحصل فيه على المطلوب دون عناء، لكن من المهم الانتباه في هذا الصدد إلى التداخل في الأوزان الصنهاجية والحسانية حتى لا نتيه في تشاكل صوتي اعتباطي، فلابد عند الالتباس في الأخذ، من العودة إلى المعاجم العربية للتأكد من الأصل.

 

7-ألاحظ كذلك أن (اكلام آزناگه:الصنهاجية) المتداولة عندنا مشتقة، بمعنى أن المادة المشتقة فيها واضحة المعالم، ومثال ذلك مادة:

ي. ر. م. ش، التي تعنى أخذ، هي مادة مشتقة إذ منها: يرمش، للفعل الماضي. و يترمش، للمضارع. وارمش،للأمر. وهكذا..

 ولا أعرف أساس هذا الاشتقاق، هل يعود إلى أصل الصنهاجية أم إلى عوامل تلاقحها مع العربية والحسانية؟ 

 

ملاحظة أخيرة أضيف في هذا الصدد وهي أنني لاحظت في بعض الدراسات حول المعجم الحساني أن المصطلحات المتعلقة بالترحال والبداوة والصحراء وما في دائرة استعمال بني حسان عند قدومهم هنا، هو عربي بالأساس، ويظهر هذا في آدابهم المبكرة، فمن 'أدب التلول' :

 

نحلال أم عربي ينزل في اتوارس،

واحنا ننذكر فاوهام مادس،

ألاج لمعيط فم بالريگ يابس،

انگوم أنفزع فأثر إلى أجفاه،

ألا نرجع عن لثر إلى عاد دانس،

أولا إنحل عگد سير أوراه.

 

فمعجم هذا النص كله عربي باستثناء أسماء الأماكن: مادس، اتوارس. 

 

أما أسماء بعض الحيوانات والأماكن، وكذلك بعض الأشجار غير المعروفة عربيا كالطلح والسدر، فقد احتفظت بأسمائها الصنهاجية أو الأفريقية، مثل:التافكيت: (بنت لبون من البقر) ، وأگجول: (الفرس غير الكريمة)، في الحيوان، وأروار (إلقتاد) و تمات(السمر) في الأشجار، و أطار، (أظأر): الكراع، و آوكار : (الأحقاف) ، وكر مسين(دار مسين) .. في الأماكن.. إلى آخره.

 

          2

كان ذلك بشأن الاشتقاق والمعجم، أما من حيث البنية النحوية التركيبة فإن الرتبة في الحسانية تبدو مخلخلة كما في اللغة العربية، إذ نقول بصيغة الإخبار والتقرير في الحسانية: (راجل جان يامس گال أن.. . و يامس جان راجل گال ان.. ، وجان راجل يامس گال أن.. .)  مقابل (رجل جاءنا أمس قال لنا.. ، وأمس جاءنا رجل قال لنا، وجاءنا رجل أمس قال لنا.) فالرتبة ليست ثابتة في المثال الأول بالحسانية كما في مطابقه في المثال الثاني  بالعربية. وإذا كانت ثمة فروق دلالية  في وجوه المثال الأول بين الصيغ و الدلالات في الحسانية فنفس الفروق موجودة في المثال الثاني بالعربية أيضا. مع أن العبرة بخلخلة الرتبة في الصيغة العربية والحسانية كتركيب ممكن بنيويا ومفهوم دلاليا. وللتوضيح اكثر ف (راجل جان يامس گال ان، تطابق بنية ودلالة: رجل جاءنا أمس قال لنا..  بالعربية. ويامس جان راجل گال ان.. بالحسانية، تطابق بنية ودلالة: أمس جاءنا رجل قال لنا.. ، بالعربية. وجان راجل يامس گال ان، بالحسانية، تطابق بنية ودلالة:جاءنا رجل أمس قال لنا.. 

 بالعربية.

وكذا عبارة: گال ان راجل يامس جان. فخلخلة الرتبة سارية في الحسانية كما هي في العربية حسب ما يبدو.

وأما من حيث كون الحسانية لهجة حجازية غير لاحقة على العربية الفصحى وإنما توازيها فهو أمر   يصعب الجزم به لثلاثة أسباب كما أرى:

السبب الأول: أن الناطقين بالحسانية قديما هم حسان، بقرينة النسبة. وهؤلاء إما أن يكونوا قرشيين باعتبارهم جعافرة كما يذهب إلى ذلك بعض النسابة، وإما أن يكونوا هلاليين أوسليميين بالنسب أوبالعشرة والمرافقة التاريخية، سواء كان أصلهم قحطانيا كما يرى ابن خلدون،    أو عدنانيا كما رأى غيره. فهم في كل الأحوال من الناطقين بلغة قريش أو جارتها هوازن التي ينتمي إليها فرعا سليم وهلال.   ولا فرق بين لغة قريش وجيرانهم هوازن على ما يذكر.

 

السبب الثاني: أن لغة قريش هي أساس لغة القرآن، وبالتالي فلا يمكن أن تصل المسافة بين لهجة قريش ولغتهم و كذا لهجة هوازن درجة التخارج التركيبي النحوي، كما من الناحية الصرفية أو من الناحية المعجمية. 

 

السبب الثالث: أن أية مرحلة من مراحل الحسانية المحفوظة، تاريخيا بالنصوص، وهي مادة أي استنتاج صلب، خضعت لخلخلة الرتبة في البنية التركيبة بشكل متواصل ويمكن التأكد من ذلك من خلال نصوصها الشعرية  وأمثلتها الحسانية أيا كانت مرحلتها التاريخية. وكل اللغات واللجهات الحية تخضع لعوامل التطور دون أن تفقد بنيتها العميقة، وعندما تفقدها تنهار.

إن البت في الأسبقية واللحوق ما بين الفصحى ولهجة قريش وهوازن، إن وجدت خارج الفصحى القرشية، تبدو لي مسألة عصية.

وقد حفظت لغة قريش حفظا جيدا من خلال القرآن الكريم.

 

 في المحصلة، ليست هناك إمكانية بالطبع لحكم  على إطلاقه في عموم الأمر مالم يتم حصر الأغلب، في هذا المبحث الحيوي، ولقد أجاد الدكتور البراء وتألق في محاضرته سواء في التعبير عما اختلفت فيه معه أو فيما اتفقت فيه معه وهو الأغلب، فله التحية والتقدير.

 

أشكر مجلس اللسان العربي رئيسا متميزا وأعضاء بارعين على تنظيم هذه الندوة الجيدة، والتي لم أدرك منها في التلفزيون إلا بداية محاضرة الباحث الجاد إسماعيل محمد يحظيه وما بعدها. 

الإخوة الكرام، ماهذه الدردشة إلا اعتذار مبطن عن عدم حضوري للندوة القيمة.

 

د. محمد أحظانا.